تزكية النفس

تزكية النفس

إنَّ الله تعالى خلقَ الإنسانَ، وعلَّمَه البيان، ومنَحَه العقلَ واللِّسانَ، وهداه النَّجدَين، وبيَّن له السبيلَين: ﴿{إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، امتَحَنه بعداوة النفسِ والشيطان، وكتبَ له التوفيقَ أو الخُذلان، وجعلَ مصيرَه إما إلى الجنةِ وإما إلى النيران.
شرعَ مِن أجلِه الشرائِع، وأنزلَ الكُتُب، وبعثَ الرُّسُلَ مُبشِّرين ومُنذِرين، فمِن الناس مَن استجابَ وتزكَّى، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: 18]، ومِنهم مَن أعرضَ وأبَى ونكَثَ،﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: 10].
واعلَمُوا أنَّ النفسَ عدُوَّةٌ وأمَّارةٌ بالسوء، قاطِعةٌ بين القلوبِ وبين الوُصولِ إلى الربِّ علَّام الغيُوب. النفسُ بطبيعتها طَمُوحةٌ إلى الشهوات والملذَّات، كسُولةٌ عن الطاعات وفِعلِ الخيرات، النفسُ مركَبُ الشيطان ومطِيَّتُه، ووسيلتُه وآلتُه، بها تكونُ طاعتُه، وهي حُجَّتُه وذريعتُه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: 22].
النفسُ أمَّارةٌ بالسوء، ميَّالةٌ إلى الهوى، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40، 41]، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾[الجاثية: 23].
النفسُ وِعاءُ الخير والشر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]، وقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53].
وإنَّ الله قد ألهَمَ النفوسَ الخيرَ والشرَّ، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7، 8]، فكما وهَبَ اللهُ الإنسانَ الحواسَّ الظاهرةَ، فقد وهَبَه النفسَ التي لها بصيرةٌ باطِنةٌ، كما قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾[القيامة: 14، 15].
وقد أشارَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – إلى هذا الإحساسِ، فقال: «الإثمُ ما حاكَ في نفسِك، وكرِهتَ أن يطَّلِع عليه الناسُ».
وإنَّ النفسَ بحاجةٍ إلى الرِّعاية والمُراقبة، والتهذيبِ والتزكية والمُتابعَة؛ ولهذا قال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – لحُصَين بن المُنذِر: «قُل: اللهم ألهِمني رُشدِي، وقِنِي شرَّ نفسِي». وفي خُطبةِ الحاجة: «ونعوذُ بالله مِن شُرور أنفُسِنا».
وإنَّ سبيلَ التخلُّص مِن شُرور النفسِ هو تزكيتُها ورِعايتُها ومُعاهَدتُها، وقد أقسَمَ الله في كتابِه أحدَ عشرَ قسَمًا مُتتالِيةً على فلاحِ مَن زكَّاها، وخيبَةِ مَن دسَّاها، فقال – سبحانه -: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 1- 10].
وامتنَّ الله على المُؤمنين بأعظم النِّعَم فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[آل عمران: 164]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2].
وأخبَرَ الله تعالى أنَّ تزكِية النفسِ وسِيلةٌ للفلاح والفوز بالجنَّة، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14، 15]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40، 41].
وإنَّ تزكِية النفوسِ لا تتأتَّى إلا بمقامِ الإحسانِ: أن تعبُدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإن لم تكُن تراهُ فإنَّهُ يراك. لا تتأتَّى إلا بمُخالفة الهوَى، ومُلازَمَة التقوَى. لا تتأتَّى إلا بمُخالفة النفسِ الأمَّارة بالسُّوء، وترِ ملذَّاتها وشهَوَاتها.
فمَن يُطعِمُ النَّفسَ ما تشتَهِي****كمَن يُطعِمُ النَّارَ جَزْلَ الحَطَبْ
فمَن وُفِّقَ لقَمعِها نالَ المُنَى، ونفسَه بنَى، ومَن أرخَى لها العِنانَ ألقَت به إلى سُبُل الهلاك والرَّدَى.
فمَن هجَرَ اللذَّاتِ نالَ المُنَى ومَنْ ****أكَبَّ على اللذَّاتِ عضَّ على اليَدِ
ففِي قَمعِ أهواءِ النُّفوسِ اعتِزازُها***وفِي نَيلِها ما تشتَهِي ذُلُّ سرمَدِ
فلا تشتَغِلْ إلا بما يُكسِبُ العُلَا ****ولا ترضَ للنَّفسِ النَّفيسَةِ بالرَّدِي
والنفسُ أمَّارةٌ بالسوء، وهي ظَلُومةٌ وجَهُولةٌ، تُصابُ بالعُجب والكِبرياء، والحسَد والرِّياء، والغضَبِ والحِرصِ والطَّمَع، والشُّحِّ والبُخلِ والخوفِ والجشَع، وغيرِ ذلك مِن الأمراضِ، فتزكِيتُها إفراغُها وتطهيرُها مِن تلك الأعراض، تزكِيةُ النفسِ بالتحلِّي بمكارِمِ الأخلاق، والسُّلوك الحسَن، والآداب الشرعيَّة؛ كالمحبَّة والإخلاص، والصبر والصدقِ والتواضُع، والخوف والرَّجاء، والكرَم والسَّخاء، والتوبة والاستِغفار، وتذكُّر الموت والفناء، والإعراضِ عن الدُّنيا، والإقبال على الله تعالى.
تزكِيةُ النفسِ بمُخالفَة الهوَى، وعدم تلبِية رغباتها، وفِطامِها عن شهواتها وملذَّاتها، والإنكار عليها ومُعاتبتها، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14، 15].
واجتهِدُوا في تزكِية النفوس قبل فُجاءَة الفَجعَة، ونَدامَة الحسرَة، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30].
اجتهِدُوا في تزكِية النفوس قبل ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: 56- 58].
اجتهِدُوا في تزكِية النفوس قبل أن يُختَمَ على الفمِ فلا ينطِق، وتقومُ الأشهادُ والخُصماءُ مِن الجوارِح، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: 19- 24].
اجتهِدُوا في تزكِية النفوس قبل يومٍ فيه ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34- 37].
الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه وحاسبَها، وعمِلَ لما بعد المَوتِ، والعاجِزُ مَن أتبَعَ نفسَه هواها وتمنَّى على الله الأمانِيَّ.
فحاسِبُوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبُوا، وزِنُوها قبل أن تُوزَنُوا؛ فإنَّه أهوَنُ في الحسابِ غدًا أن تُحاسِبُوا أنفسَكم اليوم، وتزيَّنُوا للعرضِ الأكبَرِ على الله ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾[الحاقة: 18].
دخلَ عُمرُ بن الخطَّاب – رضي الله تعالى عنه – يومًا حائطًا، فخلَى بنفسِه يُحاسِبُها، وأنسُ بن مالكٍ – رضي الله عنه – يُراقِبُه مِن حيث لا يرَاه، فسمِعَه يقولُ: “عُمرُ! أميرُ المُؤمنين! بَخٍ بخٍ! والله بُنيّ الخطَّاب لتتقِيَنَّ اللهَ أو ليُعذِّبنَّك الله”.
فاتَّقُوا اللهَ – عباد الله -، واعلَمُوا أنَّكم مُلاقُوه. اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ مَن زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.
—————————
فضيلة الشيخ الدكتور /عبدالله البعيجان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*