الإثنين , 21 مايو 2018
الرئيسية » روح العزم » حب الوطن .. الأعلى صوتا
حب الوطن .. الأعلى صوتا

حب الوطن .. الأعلى صوتا

من طبيعة الإنسان أن يتأقلم مع المكان الذي أحبه إلى درجة العشق , فيملك عقله ليصل إلى سويداء قلبه . إذ أن حب الوطن ينبض مع دم الإنسان في عروقه وأوردته , فهو منبت الإنسان وسكنه , والحنين الدائم والباقي , وهو ملعب طفولته , ومدرج صباه , ومراحل شبابه . كما أنه مصدر عز وفخر لكل فرد ينتمي إليه .
وخير من يعلمنا حب الوطن  رسول الله –  صلى الله عليه وسلم – , حينما أجبر على الخروج من بلده – مكة المكرمة – ,  ففاض قلبه بالشعور الوطني المتدفق , حين قال : ” والله إنك أحب البلاد إلي , ولو أن أهلك مخرجي ما خرجت ” . فهو أكثر الناس تضحية وجهادا طوال حياته حتى لحق بالرفيق الأعلى .
جاء في فتح الباري- كتاب التعبير- باب أول مابدئ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي : ( .. فَقَالَ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى , يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ فَقَالَ  وَرَقَةُ : نَعَمْ , لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ , وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا) . وخلاصة ما ذكره ابن حجر : قوله (أو مخرجي هم) ؟ . قال السهيلي : يؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النفس , فإنه – صلى الله عليه وسلم – سمع قول ورقة : أنهم يؤذونه ويكذبونه , فلم يظهر منه انزعاج لذلك , فلما ذكر له الإخراج تحركت نفسه لذلك لحب الوطن وإلفه . فقال : ” أو مخرجي هم “؟ قال : ويؤيد ذلك إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه , فأشعر بأن الاستفهام على سبيل الإنكار , أو التفجع . ويؤكد ذلك : أن الوطن المشار إليه , حرم الله وجوار بيته وبلدة الآباء من عهد إسماعيل عليه السلام ، وتلك البقاع ولا شك من أعز البقاع على المسلم .
وجاء في فيض القدير  – حرف الهمزة – : (إذا قضى أحدكم) , أي : أتم (حجه) , أو نحوه من سفر طاعة كغزو . (فليعجل) , أي : فليسرع ندباً (الرجوع إلى أهله) , أي : وطنه وإن لم يكن له أهل (فإنه أعظم لأجره) , لما يدخله على أهله وأصحابه من السرور بقدومه , لأن الإقامة بالوطن يسهل معها القيام بوظائف العبادات أكثر من غيرها . وإذا كان هذا في الحج الذي هو أحد دعائم الإسلام , فطلب ذلك في غيره من الأسفار المندوبة والمباحة أولى . ومنه أخذ أبو حنيفة : كراهة المجاورة بمكة . وخالفه صاحباه كالشافعي . وفيه ترجيح الإقامة على السفر غير الواجب .
وتروي كتب السنة , حين قدم أصيل الغفاري – رضي الله عنه – إلى المدينة بعد الهجرة , دخل على أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قبل أن يفرض الحجاب – فقالت له: يا أصيل ! كيف عهدت مكة ؟ قال : عهدتها قد أخصب جنابها ، وابيضت بطحاؤها ، قالت : أقم حتى يأتيك النبي . فلم يلبث أن دخل النبي ، فقال له : (يا أصيل ! كيف عهدت مكة ؟) قال : والله عهدتها قد أخصب جنابها , وابيضت بطحاؤها ، وأغدق اذخرها ، وأسلت ثمامها ، وأمشّ سلمها ، فقال : (حسبك يا أصيل لا تُحْزِنَّا) ، وفي رواية : (ويها يا أصيل ! دع القلوب تقر قرارها) .
بل إن الصحابة – رضي الله عنهم –  لما تذكروا الصفا والحجون ، واشتاقوا الى شامة , وطفيل , والأذخر , والجليل . وداهمتهم حمى يثرب , فنالت من قواهم , واشتد بهم الوهن , تأثر النبي – صلى الله عليه وسلم – بما نالهم ، ولم ينتقد هذا الشعور الوطني الذي خالجهم , وإنما قال – صلى الله عليه وسلم – : ” اللهم طيب لنا المدينة كما طيبت لنا مكة ، اللهم بارك لنا في صاعها ومدها ” . فعاش المهاجرون والأنصار ينعمون ببركة هذا الدعاء.
ما سبق من نصوص صحيحة وصريحة , تؤكد على أن معاني التضحية , – وخاصة – ما ارتكز منها على سبيل الإخلاص للوطن , لها تأثير كبير في نفس الإنسان , كونها تجربة يعايشها , يستلهم منها العبرة والدرس , ويؤسس في النفس سلوكية كريمة , هي : الوفاء للوطن . ولذا قال الجاحظ في رسالته – الحنين إلى الأوطان – : ” كانت العرب إذا غزت , أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملا وعفرا تستنشقه ” . ومن طريق الأصمعي – أيضاً –  قال : ”  ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوان : الإبل تحن إلى أوطانها , وإن كان عهدها بها بعيداً . والطير إلى وكره ,  وإن كان موضعه مجدباً . والإنسان إلى وطنه , وإن كان غيره أكثر نفعاً ” .
إن حب الوطن يستلزم التعلق به  والدفاع عنه , وحمايته تحتاج إلى التضحية والفداء بالنفس والمال , من أجل انتصار الحق والعدالة , والحفاظ على أمن واستقرار المجتمعات . ولذا شرع الجهاد في الإسلام لأهداف سامية , أهمها : رد العدوان عن النفس والوطن , حفاظا عن الدين  والأرض والعرض . فالدفاع عن الوطن  بما فيه من مال ونفس وأهل , هو  شهادة في سبيل الله , وهو مصداق حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” من قتل دون ماله فهو شهيد , ومن قتل دون دمه فهو شهيد , ومن قتل دون دينه فهو شهيد , ومن قتل دون أهله فهو شهيد) رواه أبو داود
إن مفهوم “الجهاد” كما حدده مجمع البحوث الإسلامية , يهدف إلى الدفاع عن الوطن ضد احتلال الأرض ونهب الثروات ، وهو محوط  بضوابط وآداب وأحكام واضحة تحرم قتل غير المقاتلين . كما تحرم قتل الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال ، أو تتبع الفارين ، أو قتل المستسلمين ، أو إيذاء الأسرى ، أو التمثيل بجثث القتلى ، أو تدمير المنشآت والمواقع والمباني ، التي لا علاقة لها بالقتال .
ولا زلت أذكر جيدا تفصيل – سماحة الشيخ – محمد بن صالح بن عثيمين – رحمه الله – حين شرح حديث عائشة – رضي الله عنها –  المتفق عليه : ” لا هجرة بعد الفتح , ولكن جهاد ونية , وإذا استنفرتم فانفروا ” . ففصل – رحمه الله –  عند شرحه عبارة: ” وإذا استنفرتم فانفروا ” , يعني : إذا استنفركم وليّ أمركم للجهاد في سبيل الله فانفروا وجوباً ، وحينئذ يكون الجهاد فرض عين ، فلا يتخلف أحدٌ إلا من عَذره الله ، لقول الله تعالى : ”  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلّا قَلِيلٌ إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً) , وهذا أحد المواضع التي يكون فيها الجهاد فرض عين . و الموضع الثاني : إذا حصر بلدة العدو ، أي :  جاء العدو حتى وصل إلى البلد , وحصر البلد , صار الجهاد فرض عين، ووجب على كل أحد أن يقاتل حتى على النساء و الشيوخ القادرين في هذه الحال , لأن هذا قتال دفاع ، وفرق بين قتال الدفاع و قتال الطلب ، فيجب في هذه الحال أن ينفر الناس كلهم للدفاع عن بلدهم . والموضع الثالث : إذا حضر الصف، والتقى الصفان، صف الكفار وصف المسلمين، صار الجهاد حينئذ فرض عين , ولا يجوز لأحد أن ينصرف , كما قال الله –  تعالى –  ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَار وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ” ,  وقد جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – التولي يوم الزحف من السبع الموبقات .  والموضع الرابع : إذا احتيج إلى الإنسان , بأن يكون السلاح لا يعرفه إلا فردٌ من الأفراد ، وكان الناس يحتاجون إلى هذا الرجل لاستعمال هذا السلاح الجديد مثلاً ، فإنه يتعين عليه أن يجاهد وإن لم يستنفره الإمام ، وذلك لأنه محتاج إليه . ففي هذه المواطن الأربعة يكون الجهاد فرض عين ، وما سوى ذلك فإنه فرض كفاية .
أن نكتب عن الشهداء فلعمري ذلك شرف نعتز به , فهم قائمة تناطح السماء بكل السمو والكبرياء . وإننا لنفتخر بكل شهدائنا عند ربنا – عز وجل – , الذين عشقوا معاني التضحية في سبيل الدفاع عن الدين والوطن , فكانت أرواحهم الزكية كشموع أنارت دروب الوطن .  فلم يبخلوا بها , بل أرهقوا دمائهم الزكية عبر شلال نوراني لا يتوقف , لتروي الأرض وتصون العرض . وهم من تنازل عن حقهم في الحياة حماية لمستقبل الوطن , وحفاظا على حياة الناس , فالأوطان تحييها الدماء وتميتها الدموع . وكان موعدهم مع التاريخ حين طاب اللقاء , وستبقى تلك التضحيات ممهورة بالدماء , في مشاهد سيحفظها أسفار التاريخ , فسلام الله عليهم في الخالدين
للكاتب : د . سعد بن عبد القادر القويعي

التعليقات

  1. نظرا لأهمية مقال سعادة الدكتور سعد بن عبدالقادر القويعي فقد
    تم نشره بالفيس بوكوالتويتر معا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*