الرئيسية » الركن الإعلامي » حصاد الأخبار » تحولات محتملة في عمليات تنظيم “داعش”
تحولات محتملة في عمليات تنظيم “داعش”

تحولات محتملة في عمليات تنظيم “داعش”

فرضت الهزائم المتلاحقة التي تعرض لها تنظيم “داعش” داخل كل من العراق وسوريا، والتي أدت إلى فقدانه مساحات واسعة من المناطق التي سيطر عليها خلال المرحلة الماضية، تحولات عديدة داخله، خاصة على المستويين التنظيمي والعسكري، حيث أنه بات قريبًا من مرحلة الانهيار التنظيمي، بشكل أضعف، إلى حد كبير، من قدرته على استخدام آلياته التقليدية التي استند إليها في الترويج لأفكاره واستقطاب عناصر إرهابية جديدة للانضمام إليه.
وقد أشارت اتجاهات عديدة إلى أن التنظيم لم تعد لديه القدرة على امتلاك زمام المبادرة وتبني خطوات هجومية، في ظل الضغوط القوية التي فرضتها الضربات العسكرية التي تشنها بعض الأطراف المناوئة له داخل الدولتين، وذلك باستثناء بعض العمليات الفردية، التي يسعى من خلالها إلى توجيه رسائل تفيد أنه ما زالت لديه القدرة على تنفيذ هجمات إرهابية داخل وخارج المناطق التي اضطر للانسحاب منها.
وقد انعكس ذلك في الهجوم الذي شنه فرع التنظيم في أفغانستان، في 24 يناير 2018، ضد منظمة “انقذوا الأطفال” غير الحكومية البريطانية، وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة نحو 24 آخرين، وهو الهجوم الذي كشف أن الارتدادات الإقليمية لتلك التحولات قد وصلت إلى البؤر التي تحاول فروعه تأسيسها في مناطق جديدة.
تغيرات مختلفة:
تتمثل أهم التحولات التي شهدها تنظيم “داعش” خلال الفترة الأخيرة، مع تصاعد حدة العمليات العسكرية التي يشنها التحالف الدولي وبعض القوى والميليشيات المناوئة له، في:
1- خفوت النشاط: لم يعد تنظيم “داعش” يسيطر سوى على مساحات قليلة من المناطق التي ظهر فيها خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، بشكل قلص إلى حد كبير من قدرته على امتلاك موارد مالية واقتصادية متعددة لتمويل عملياته وتجنيد مزيد من الإرهابيين من المنطقة وخارجها. ووفقًا لتقديرات المبعوث الأمريكي لمحاربة “داعش” بيرت ماكجورك، التي أعلن عنها في 15 نوفمبر 2017، فإن التنظيم فقد السيطرة على نحو 95% من المناطق التي انتشر فيها داخل كل من العراق وسوريا، مشيرًا إلى أن ظاهرة تدفق الإرهابيين إلى الأخيرة من أجل الانضمام للتنظيم توقفت تقريبًا، بالتوازي مع تحرير نحو 7.5 مليون شخص من قبضة التنظيم وعودة 2.5 مليون عراقي إلى مناطقهم من جديد.
2- بؤر “داعشية” جديدة: يبدو أن ذلك دفع التنظيم إلى الرد في المناطق التي يسعى للانتشار فيها خارج العراق وسوريا، وتحديدًا في أفغانستان، حيث بدأ في توسيع نطاق استهداف مصالح بعض القوى الدولية المعنية بالحرب ضد الإرهاب في المنطقة، على غرار بريطانيا، حيث شن هجومًا على مقر منظمة “انقذوا الأطفال” البريطانية في مدينة جلال آباد شرقى أفغانستان، وهو ما دفع المنظمة إلى تعليق كافة أعمالها وإغلاق مكاتبها في أفغانستان، التي تحولت، وفقًا لتقديرات منظمة Humanitarian Outcomes، إلى ثاني أكثر دولة في العالم يتعرض فيها الموظفون الإغاثيون للخطر بعد جنوب السودان.
وبعبارة أخرى، ربما يمكن القول إن التنظيم قد يتجه إلى التعامل مع تراجع قدرته على تنفيذ عمليات إرهابية نوعية في العواصم والمدن الغربية، على غرار باريس ولندن، بسبب الضربات القوية التي شنتها بعض القوى الدولية والإقليمية المعنية بالحرب ضده، من خلال مهاجمة أهداف تحظى باهتمام خاص من جانب تلك القوى في بعض دول المنطقة، خاصة التي تعاني من تصاعد حدة عدم الاستقرار على المستويين الأمني والسياسي.
ومن هنا، بدأت اتجاهات عديدة في التحذير من احتمال تصاعد تلك الظاهرة خلال المرحلة القادمة، في إطار تأكيدها على أن تراجع نفوذ “داعش” في كل من سوريا والعراق لا يعني انتهاء تهديداته، لا سيما في ظل المحاولات التي يبذلها بعض الإرهابيين الذين انضموا إليه من أجل العودة إلى دولهم الأصلية أو الالتحاق بالتنظيمات الفرعية التابعة له.
وكانت بعض دول الجوار، مثل الصين وروسيا وباكستان، قد وجهت تحذيرات بالفعل من تنامي خطر تنظيم “داعش” في أفغانستان، خلال الفترة الماضية، إلا أن اهتمام المجتمع الدولي كان منصبًا على مواجهة التنظيم في مناطق نفوذه الرئيسية في سوريا والعراق قبل التركيز على فروعه المنتشرة في بعض الدول الأخرى.
3- أنماط جديدة من الحروب: يرى أحد الاتجاهات أن التنظيم قد يقدم على محاولة تحييد آثار تراجع قدرته على ضم عناصر إرهابية جديدة، خاصة من الأجانب، عبر استقطابهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل قد يدفع هؤلاء إلى تنفيذ عمليات للتنظيم داخل الدول التي ينتمون لها، لا سيما الدول التي تشارك في العمليات العسكرية التي يتعرض لها أو تدعمها.
وقد بدأت تقارير دولية في توجيه انتباه المجتمع الدولي إزاء التهديدات الإليكترونية التي يمكن أن يفرضها التنظيم خلال المرحلة القادمة، خاصة في ظل حرصه على محاولة الرد على الخسائر المدوية التي تعرض لها في مناطق نفوذه الرئيسية.
ومع ذلك، فإن ثمة اتجاهًا آخر يقلل من تأثير مثل هذه الآلية، لاعتبارات عديدة، أهمها أنه لا يمكن التعويل على مدى التزام العناصر التي يمكن أن يقوم التنظيم بتجنيدها عبر الشبكة الإلكترونية بأفكاره وتوجهاته، فضلاً عن أن غالبيتهم، على الأرجح، يفتقدون للخبرات القتالية والتنظيمية التي حصل عليها الإرهابيون الأجانب الذين انضموا للتنظيم في الأعوام الأربعة الماضية، أى خلال المرحلة التي اتسع فيها نفوذه بشكل ساعده على تجنيدهم.
لكن الاتجاه الأول يرى أنه رغم ذلك لا يمكن التقليل من مخاطر هذه الآلية التي يمكن أن يستند إليها التنظيم، باعتبار أن الهدف الأساسي الذي يسعى إلى تحقيقه من خلالها في هذه المرحلة لم يعد يكمن في تنفيذ عمليات نوعية تسفر عن مقتل وإصابة عدد كبير من الأشخاص، بقدر ما يرتبط بمحاولات التنظيم إثبات قدرته على الاستمرار والبقاء رغم الجهود المبذولة للقضاء عليه.
وفي النهاية، ربما يمكن القول إن هذه التحولات سوف تتصاعد خلال المرحلة القادمة، خاصة في ظل اهتمام العديد من القوى الدولية والإقليمية بمواجهة نشاط تنظيم “داعش” في الدول الأخرى، بالتوازي مع حرصها في الوقت نفسه على اتخاذ الإجراءات اللازمة التي يمكن أن تحول دون عودته إلى مناطق نفوذه السابقة.
***********************************************
المصدر: مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*