الرئيسية » التأصيل الشرعي » الاستهانة بسفك الدماء
الاستهانة بسفك الدماء

الاستهانة بسفك الدماء

يتعجب الكثير من المسلمين في هذا العصر من أن دماء المسلمين من أرخص دماء البشر ومن أكثرها إراقة، وهو بخلاف ما لغيرهم من أجناس البشر مهما تنوعت أديانهم وتعددت مللهم، فيتسائل البعض عن سبب هذا الأمر الفظيع، ومرد هذا الجرم الخطير.
فمشاركةً في إزاحة مثل هذا الاستغراب، وبحثاً عن الجواب أقول:
إن الناظر في القتل الذي استحر في المسلمين وخاصة في ديار الإسلام يجد أن معظمه يدور بين المسلمين أنفسهم، وهذا يعود لأسباب كثيرة؛ منها الدينية ومنها الدنيوية، وقد تجتمع كثيراً الأسباب في وقت واحد.
فمن تلك الأسباب:
ضعف الوازع الشرعي: فالإيمان كلما ضعف في القلب كلما تجرأ العبد على تسور المحرمات، وأقدم على ارتكاب المنكرات، لأن الإحجام عن القتل للمسلمين من قبل المسلم مرده لإيمانه بالنصوص الشرعية الناهية عن فعل ذلك المنكر، وتعظيمه لأمر الله تعالى ونهيه، والإيمان يتطلب الكف عن المناهي الشرعية، والامتثال للأوامر.
وهذه قاعدة شرعية إيمانية، أن كل معصية هي بسبب نقص الإيمان في قلب المسلم، وكل طاعة بسبب زيادة إيمانه.
ومما يدل على هذه القاعدة الشرعية قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173].
وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] .
وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] .
وقوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124].
وروى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً، يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ».
•الجهل بجرم وعظم هذه الكبيرة العظيمة، والجاهل هو الذي يتقحم أسوار هذه الكبيرة.
والعلم عادة يمنع صاحبه من ارتكاب هذا الذنب العظيم، والجرم الكبير، والوعيد المترتب على سفك دم المسلم بغير وجه حق من أعظم الوعيد الوارد في نصوص الشريعة.
فلو تأمل المسلم في تلك النصوص الشرعية، ووقف عندها وعلم مقتضاها لما أقدم على ارتكاب هذا الذنب العظيم.
ومن أمثلة ذلك الوعيد الشديد قول الحق تبارك وتعالى: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [النساء: 93].
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول الله سبحانه في سورة [ الفرقان : 68 ] (( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ )) الآية .
وقال تعالى : (( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً )) إلى أنْ قال : (( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )) [ الأنعام : 151 ]…
ومن الأحاديث الواردة في تعظيم هذه الكبيرة العظمية ما رواه الترمذي والنسائي بسند صحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ.
وروى البخاري في صحيحه عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا».
وروى البخاري في صحيحه أيضاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: «إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ، الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ».
وروى البخاري أيضاً في صحيحه عن المِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو الكِنْدِيَّ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَقِيتُ كَافِرًا فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ يَدِي بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، وَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، آقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَقْتُلْهُ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ طَرَحَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا قَطَعَهَا، آقْتُلُهُ؟ قَالَ: «لاَ تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَأَنْتَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ».
الصراع على الحصول على متع هذه الحياة، وتعظيم شأن الدنيا، والزهد في الآخرة وما عند الله تعالى، وهذا من أمارات النبوة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها ستحصل بين المسلمين قبل قيام الساعة، وهذا ليس المراد منه واقعة بعينها وإنما المراد المعنى العام، والاقتتال بين المسلمين قد وقع كثير منه في بلاد المسلمين، حتى لا يعرف القاتل فيما قَتل، ولا المقتول فيما قُتل.
وقد روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ»، وروى ابن ماجه بسند صححه العلماء عن أبي موسى قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَهَرْجًا» ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ» ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَقْتُلُ الْآنَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَابْنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ» ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيَخْلُفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ» ثُمَّ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: «وَايْمُ اللَّهِ، إِنِّي لَأَظُنُّهَا مُدْرِكَتِي وَإِيَّاكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ، مَا لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجٌ، إِنْ أَدْرَكَتْنَا فِيمَا عَهِدَ إِلَيْنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا».
فهذه بعض أسباب الاستهانة بسفك الدماء المحرمة من المسلمين من قبل المسلمين أنفسهم.
وإذا أدرك المسلم عظم هذا الأمر العظيم وعَقَله فلا شك بأنه سيتجنب الوقوع فيه ومن الاقتراب من أسبابه، فالمسلم الصادق يدرك أن بقاء دينه وسلامته من النقصان أعظم من كل موجود في هذه الحياة.
حفظ الله دماء المسلمين وصانها، ورد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً..
—–****———****———****———****—-
خاص بالسكينة:محمد بن عبد السلام الأنصاري

التعليقات

  1. من أعضاء الدعوة في داخل المملكة

    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه واتبع سنته إلى يوم الدين أما بعد :
    فشكر الله لفضيلة الكاتب الشيخ محمد بن عبدالسلام الأنصاري وجزاه الله خيرا على ما أورده في هذه المقالة القيمة الجليلة القدر من بيان علمي شرعي بليغ لحرمة إراقة الدماء بغير حق وما جاء من وعيد الله الشديد فيمن يتجرؤون على سفك الدماء المحرمة والأنفس المعصومة ويستهينون بها وبحرمتها ودلالته على انتفاء الإيمان من قلوب مرتكبيه وما يترتب عليه فعل هذه الكبيرة العظيمة من خسران الدنيا والآخرة لقد أجاد وأفاد ونصح ووضح فأسأل الله أن يجزل له الأجر والثواب وأن ينفع بما كتبه الإسلام والمسلمين وأن يحفظ المسلمين من شرور أنفسهم ومن شرور أعدائهم وأن يوفقهم جميعا لما فيه خيرهم وسلامتهم وصلاحهم وفلاحهم دنيا وآخرة إن الله سميع مجيب وهو حسبنا ونعم الوكيل ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرأ وبين قلبه وأنه إليه ترجعون * واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*