الإثنين , 23 يوليو 2018
الرئيسية » الوسطية » ظاهرة الجمود والتطرف الفكري وأثرها على الفرد والمجتمع
ظاهرة الجمود والتطرف الفكري وأثرها على الفرد والمجتمع

ظاهرة الجمود والتطرف الفكري وأثرها على الفرد والمجتمع

المقدمة
العنصر الأول: الإسلام دين الوسطية والاعتدال واليسر لا الجمود والغلو
عباد الله: لقد اختص الله – عز وجل – أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – بالوسطية والاعتدال؛ قال تعالى:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى امودلنَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا }[ البقرة : 143]. وهنا إعجاز عددي في هذه الآية الكريمة ، فعدد آيات سورة البقرة 286 ÷ 2 = 143 ، هذا هو رقم هذه الآية ، فكأن الآية نفسَها جاءت وسطاً ، وكفى بها رسالة للأمة لتكون وسطاً في كل شيء.
والوسطية هنا تعني الأفضلية والخيرية والرفعة؛ فالأمة وسط في كل شيء، وسطية شاملة .. فهي وسط في الاعتقاد والتصور، وسط في العلاقات والارتباطات ، وسط في أنظمتها ونظمها وتشريعاتها ، وسط في الإنفاق؛ وسط في كل شيء؛ وحري بالمسلمين أن يعودوا إلى وسطيتهم التي شرفهم الله بها من أول يوم ..نعم ، أمة وسطاً : مجانبة للغلو والتقصير .
وقد رُي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :” خير الأمور أوسطها”، وقال علي ـ رضي الله عنه ـ : “عليكم بالنمط الأوسط فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل” .. فحري بمن تشددوا في الدين أن يعودوا إلى وسطية الإسلام ؛ وحري بمن كفّروا المسلمين وفسّقوا المصلحين أن ينهلوا من وسطية الإسلام .
وكما أن الإسلام دين الوسطية والاعتدال؛ فهو كذلك دين اليُسر والرحمة، فالنبي بُعث بالحنيفية السمحة، فأصل الدين قائم على اليسر وعدم المشقة، فالتيسير على العباد مراد لله، والمشقة لا يريدها الله لعباده: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }[البقرة: 185]، فالمسلم لا يثاب على المشقة؛ إلا إذا كان لا يمكن أن يأتي بالعبادة إلا بها، فيؤجر على المشقة إذا كانت وسيلة للعبادة، أما تقصُّد المشاقِّ وطلبها، فلا يؤجر عليها المسلم، وكيف يؤجر على شيء لا يريده الله منا ولا يرضاه؟!
ولأهمية اليسر في الشريعة الإسلامية عنون له الإمام البخاري باباً خاصاً في صحيحه وسماه: ” باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا وكان يحب التخفيف واليسر على الناس .” وساق عدة وصايا وشواهد وأدلة ليسر النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته منها:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:” مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنْ الْآخَرِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا؛ فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ.” (البخاري ومسلم واللفظ له). قال صاحب عون المعبود :” فيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراما أو مكروها .”
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:” يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا”. ( متفق عليه ). وأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الشئ وضده تأكيداً؛ فإنه كان يكفي قوله: ” يسِّرا ” ؛ وإنما ذكر الضد: ” ولا تعسرا ” تأكيداً للأمر. قال الإمام النووي:” إنما جمع في هذه الألفاظ بين الشيء وضده ؛ لأنه قد يفعلهما في وقتين ، فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يسر مرة أو مرات ، وعسر في معظم الحالات ، فإذا قال ( ولا تعسروا ) انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه ، وهذا هو المطلوب ، وكذا يقال في: ( وتطاوعا ولا تختلفا ) ، لأنهما قد يتطاوعا في وقت ويختلفان في وقت ، وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء .”أ.ه
وفي مقابل التيسير في الدين نهى الشارع الحكيم عن الجمود التشدد والغلو فيه؛ فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ” إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ “. ( البخاري ومسلم).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : ” معنى الحديث : النهي عن التشديد في الدين ، بأن يحمِّل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمله إلا بكلفة شديدة ، وهذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : ” لن يشاد الدين أحد إلا غلبه ” يعني : أن الدين لا يؤخذ بالمغالبة، فمن شاد الدين غلبه وقطعه .”أ.هـ .
العنصر الثاني: فهم النصوص الشرعية وأثره في تحقيق مقاصد الشريعة
يعتبر القرآن والسنة هما المصدران الرئيسان في الشريعة الإسلامية؛ وينبغي على كل من يستدل بنصوص الشريعة الغراء أن لا يقف متحجراً عند ظاهر النص ؛ بل عليه أن ينظر إلى العلة والمقصد والغاية من تشريع هذا الأمر .
ولذلك فإن علماء الفقه وأصوله اهتموا اهتماماً كبيراً بعلم مقاصد الشريعة وألف في ذلك مؤلفات كثيرة .
بل إنهم جعلوا لذلك قواعد خمسة جليلة في الفقه وأصوله تراعي مصالح العباد والتيسير وإزالة الضرر وهذه القواعد هي:
القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها .
القاعدة الثانية: الضرر يزال .
القاعدة الثالثة: العادة محكمة .
القاعدة الرابعة: المشقة تجلب التيسير .
القاعدة الخامسة: اليقين لا يزول بالشك .
ولو نظرنا إلى هذه القواعد الخمسة لوجدناها كلها قائمة على التيسير ورفع الحرج وإزالة الضرر ومراعاة العادات والعرف والزمان والمكان؛ وقبل كل ذلك مراعة مقاصد الشريعة .
وأكتفي هنا بمثالٍ واحدٍ يختلف فيه الناس اختلافاً كبيراً في كل رمضان وهو : إخراج زكاة الفطر بين العينية والقيمة .
فمن تمسك بظاهر النص ووقف عنده أوجب إخراجها حبوباً وعد كل من أخرجها قيمة باطلاً ويجب إعادتها حبوبا ً .
ومن نظر إلى المقصد والعلة والغاية من تشريع زكاة الفطر جوز إخراجها قيمةً مراعاة لمصلحة الفقير .
ولقد أجاز إخراج القيمة كثير من الصحابة والتابعين وبعض أئمة الفقه والعلماء المعاصرين .
وممن أجازها من الصحابة – رضي الله عنهم-: ” عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم جميعًا ” ( انظر: عمدة القاري).
وممن قال بذلك من التابعين والسلف – رضي الله عنهم-: طاووس بن كيسان ؛ والإمام سفيان الثوري ؛ وعمر بن عبد العزيز وغيرهم . ومن الفقهاء الإمام أبو حنيفة النعمان.
والقول بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر –وغيرها-، مذهب الإمام البخاري- يرحمه الله – قال ابن رشيد : ” وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم ، لكن قاده إلى ذلك الدليل “. ( فتح الباري).
ومن أجل ذلك عقد الإمام البخاري -يرحمه الله- في صحيحه، في كتاب الزكاة باباً بعنوان: (باب العَرْض في الزكاة ) والعرض : أي القيمة . وذكر تحته أربعة أحاديث تدل على جواز إخراج القيمة في الزكاة مطلقًا، ثم قاس عليها زكاة الفطر. ومن أبرز هذه الأحاديث حديث معاذ بن جبل- رضي الله عنه-.
قال الإمام البخاري: قَالَ طَاوُسٌ قَالَ مُعَاذٌ، -رَضِيَ الله عَنْهُ-، لأَهْلِ الْيَمَنِ : ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ، أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ ؛ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بِالْمَدِينَةِ”.
وهذا الحديث يدل على جواز إخراج القيمة في زكاة الزروع؛ لأن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- كان أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد بين له النبي – صلى الله عليه وسلم – لما أرسله إلى اليمن ما يصنع، وقد طلب من أهل اليمن أن يدفعوا قيمة مقدار زكاة زروعهم من الشعير والذرة ثيابًا ؛ مراعيًا في ذلك مصلحة الأغنياء والفقراء معًا، ولو كان ذلك التصرف من معاذ خلاف الصواب وقاله برأيه لرده النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى الصواب.
ويقاس على جواز إخراج القيمة في زكاة الزروع زكاة الفطر.
بل إن الإمام ابن تيمية نفسه – وهو المرجع الأصلي عند السلفيين – أجاز إخراج القيمة للمصلحة والحاجة .
فقال في مجموع فتاويه: ” وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به “.
كذلك أجاز إخراج القيمة الأزهر الشريف ؛ ودار الإفتاء المصرية ؛ ومجمع البحوث الإسلامية ؛ ووزارة الأوقاف المصرية.
ومما سبق يتبين لنا بجلاء جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر؛ وذلك لما يلي:
أولًا: أنه عمل بعض الصحابة والتابعين، ومذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، ورأي ابن حبيب من المالكية، وشهاب الدين الرملي من الشافعية، والإمام ابن تيمية من الحنابلة، وهو مذهب الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-، واختيار الإمام أبي جعفر الطحاوي من الحنفية وغيرهم كما سبق.
ثانيًا: أنه بإخراج القيمة في زكاة الفطر يتحقق الهدف من فرضيتها، وهو إغناء الفقير والمسكين وذوي الحاجة؛ فالإغناء يحصل بدفع القيمة كما يحصل بدفع الطعام.
ثالثًا: مراعاة مصلحة الفقير، وذلك أن إخراج القيمة يمكّنه من قضاء متطلباته من غذاء ودواء ودفع إيجار مسكن، وغير ذلك من متطلبات أولاده.
رابعًا: مراعاة التيسير على الناس الذين يدفعون الزكاة وخاصة الذين يسكنون في المدن الصناعية، أو أهل الحضر.
خامسًا: أنه تطورت ظروف المعيشة والحياة المنزلية، فأصبح الناس الآن في المدن والقرى والكفور وغيرها لا يطحنون القمح ولا يخبزونه بعد انتشار الأفران الآلية.
سادسًا: حماية الفقراء من استغلال بعض التجار؛ فقد تلاحظ في بعض الدول العربية التي تتمسك بإخراج الحبوب في زكاة الفطر، أن الفقراء يعرضون عليهم زكواتهم من الحبوب فيشترونها منهم أو يبدلونها لهم ببعض السلع الغذائية بسعر بخس، فيكون التاجر هو المستفيد من التقيد بإخراج الحبوب في زكاة الفطر، حيث يبيعها للمزكِّي بسعر ما، ويشتريها أو يستبدلها للفقير بسعر أقل.
وهكذا – أيها المسلمون – يجب علينا أن نراعي المقاصد في فهم نصوص الشريعة الغراء ؛ ولا نقف موقف الجمود والتطرف حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه ؛ وهذا ما سنعرفه بالتفصيل في عنصرنا التالي إن شاء الله تعالى .
العنصر الثالث: مظاهر وآثار الجمود والتطرف الفكري
عباد الله: لظاهرة الجمود والتطرف الفكري أسباب ومظاهر وآثار على الفرد والمجتمع تتمثل فيما يلي:
أولاً: الجهل المركب بمسائل الشريعة: ولا سيما المسائل الدقيقة التي لا يحسنها إلا العلماء، فهم بجهلهم يكفِّرون من شاءوا ولا يفرقون بين كفر أصغر أو أكبر ؛ أو كبيرة وصغيرة؛ ولعل الجهل بأحكام الشريعة من أهم صفات الخوارج الذين كانوا أول من تولى وزر التكفير في هذه الأمة، حين كفروا أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقد وصفهم صلى الله عليه وسلم بقوله:” يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ؛ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ؛ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ؛ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ”. (متفق عليه). يقول الإمام القرطبي مندداً بضلالة الخوارج وقلة فهمهم وتكفيرهم الناس: “ويكفيك من جهلهم وغلوهم في بدعتهم حكمهم بتكفير من شهد له رسول الله بصحة إيمانه وبأنه من أهل الجنة”. وهل هناك جهل مركب بعد هذا الجهل ؟!!!
ثانياً: التعصب والولاء والانتماء إلى جماعة أو حزب معين: مع الاقتناع بأفكارهم وجعل التكفير وسيلة في الانتقام من المخالفين، وإشهاره سيفاً مسلطاً على رقابهم، وهو ما اشتهر في هذا الزمان من أن كل فرقة أو جماعة تكفر مخالفيها؛ يقول ابن تيمية: “ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم … وهذا حال عامة أهل البدع الذين يكفر بعضهم بعضاً … وهؤلاء من الذين قال الله تعالى فيهم: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } (الأنعام: 159) “. ويقول رحمه الله: ” من ادعى دعوى وأطلق فيها عنان الجهل مخالفاً فيها لجميع أهل العلم، ثم مع مخالفتهم يريد أن يكفر ويضلل من لم يوافقه، فهذا من أعظم ما يفعله كل جهول مغياق”.(مجموع الفتاوى). ومعنى المغياق المختلط المتحير في الرأي يقال: غَيَّقَ الرجل في رأيه تغييقاً: إذا اختلط فلم يثبت على رأيٍ واحدٍ، فهو يموج.(تهذيب اللغة للأزهري)؛ وهذا ما نراه في وقعنا المعاصر من تفرق الأمة إلى أحزاب وفرق وجماعات؛ وكل حزب بما لديهم فرحون؛ والغير يكفرون !!
ثالثاً: حداثة السن وقلة التجارب: وهذا شائع وكثير من شبابنا الطائش الذين تشبعوا بالجمود الفكري التكفيري المتطرف؛ وهؤلاء يقول عنهم النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “.(البخاري). قال السندي: ” قوله: (أحداث الأسنان) أي صغار الأسنان، فإنّ حداثة السّنّ محلٌّ للفساد عادة. (سفهاء الأحلام): ضعاف العقول”. (حاشية السندي).
رابعاً: اتباع الفتاوى المضللة: فالفتوى بغير علم من أخطر المصائب والمحن التي ابتليت بها الأمة في عصرنا هذا ؛ فهي تسوغ لصاحبها فعل كل منكر وقبيح؛ وارتكاب أبشع الجرائم والموبقات بسبب هذه الفتاوي المضللة. ولقد بكى سلفنا الصالح بكاءً مريراً من التصدى للفتوى بغير علم !! يقول الإمام مالك – رحمه الله تعالى: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفْتِيَ من لا علم له!!
أيها المسلمون: اعلموا أن للجمود والتطرف الفكري عواقبه الوخيمة وأضراره الجسيمة على الفرد والمجتمع؛ فالجمود والتطرف الفكري ذريعة ومسوغ لاستباحة الدماء وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال الخاصّة والعامة، وتفجير المساكن والمركبات، وتخريب المنشآت، وزرع العداوات والأحقاد والفرقة بين أفراد المجتمع؛ فهذه الأعمال وأمثالها محرَّمة شرعًا بإجماع المسلمين؛ لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة، وهتك لحرمة الأموال، وهتك لحرمات الأمن والاستقرار، وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم، وغُدوِّهم ورواحهم، وهتك للمصالح العامة التي لا غنى عنها للناس في حياتهم؛ وكل هذه الجرائم من آثار التطرف الفكري !!
ألا فاحذروا من هذه الفتنة التي فتحت أبواب الشر والإفساد في الأرض، وعرضت الأنفس المعصومة والأموال المحترمة للخطر، وعملت على زعزعة الأمن والاستقرار في المجتمع .
العنصر الرابع: علاج ظاهرة الجمود والتطرف الفكري
أيها المسلمون: علينا أن نقاوم ونعالج ظاهرة الجمود والتطرف الفكري وذلك من خلال الوسائل التالية:
أولاً: تطهير العقول من الأفكار الجامدة المتطرفة: فمن أهم وسائل علاج ظاهرة الجمود والتطرف الفكري مواجهة الإرهاب وتطهير عُقول الشباب من الأفكار الجامدة المتطرفة؛ لأنَّ الناس لو استقامتْ عقولهم، صاروا يُفكِّرون فيما ينفَعُهم ويبتَعِدون عمَّا يضرُّهم، إذًا هناك علاقةٌ كبيرة بين المحافظة على عقول الناس وبين استقرار الأمن عندهم؛ لأن مما يذهب بأمن الناس انتشار المفاهيم الخاطئة حيال نصوص القرآن والسنة، وعدم فهمهما بفهم السلف الصالح، وهل كُفِّر الناس وأريقت الدماء وقُتل الأبرياء وخُفرت الذمم بقتل المستأمنين وفُجِّرت البقاع إلا بهذه المفاهيم المنكوسة؛ والأفكار المتطرفة المعكوسة؟!!
فعلينا أن نحافظ على أولادنا من الانزلاق في مهاوي الرذيلة والانجراف في الفكر التكفيري المنحرف، ونقول للغلاة أهل الغلظة والجفاء، الخارجين على إجماع الأمة، نقول لكل مشترك في هذه الجرائم البشعة سواء بجلب هذه المتفجرات أو الإعانة على نقلها أو التواطؤ في تهريبها أو السكوت على أصحابها: توبوا إلى الله توبة نصوحًا، واعترفوا بأخطائكم، وعودوا إلى رشدكم، اتقوا الله في أنفسكم، اتقوا الله في دماء المسلمين، اتقوا الله في الأبرياء، واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله، وفي ذممكم دماء لأرواح بريئة، فماذا أنتم قائلون ؟! وما هي حجتكم إذا وقفتم حافية أقدامكم؛ عارية أجسامكم؛ شاخصة أبصاركم؛ بين يدي الله أحْكَمِ الحاكمين؟!!
يا شباب الإسلام: إياكم وهذه الدعوات الخطيرة التي تدعو إلى التكفير والتفجير، واعلموا أن من أعظم الواجبات الرجوع لأهل العلم الموثوق بعلمهم فيما يُشكل عليكم لأن الله جعلهم هداة مهتدين؛ ونسأل الله أن يجتث هذه الأفكار الدخيلة من بيننا!!
ثانياً: معاقبة المتطرفين والمفسدين
فعلى الجهات المعنية الضرب بيد من حديد ومعاقبة المتطرفين والمفسدين والمخربين؛ وليكن الهدف من العقاب هو ردع كل مَنْ تُسَوِّل له نفسه أن يخرب أو يدمر أو يقتل أو يفسد أو يقدم على أي نوعٍ من أنواع الفساد بكل صوره، لأنه لا يفعل ذلك إلا كل متجرد من القيم والخلق والوازع الديني؛ لهذا قال عثمان -رضي الله عنه-:” إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، أي: يمنع بالسلطان باقتراف المحارم، أكثر ما يمنع بالقرآن؛ لأن بعض الناس ضعيف الإيمان لا تؤثر فيه زواجر القرآن، ونهي القرآن؛ لكن متى علموا أن هناك عقوبة من السلطان، ارتدعوا، وخافوا من عقوبة السلطان لئلا يفتنهم، أو يضربهم، أو ينفيهم من البلاد، فهم يخافون ذلك!!
ثالثاً: اختيار الصحبة الصالحة للأولاد
فعلى الأسرة أن تحسن اختيار الرفقة الصالحة لأبنائها؛ لأن الصاحب يتشبع بفكر صاحبه؛ فلو كان أصدقاؤه صالحين من ذوي الفكر الوسطي أوفياء لوطنهم فإنه يكون أداة بناء ؛ أما إن كانوا ممن يحملون أفكاراً متطرفة هدامة فإنه يتشبع بفكرهم ويكون معول هدم وتخريب وتدمير وإفساد !! فينبغي على المرء أن يحسن اختيار الصاحب، لأنه يكون على هديه وطريقته ويتأثر به، كما قيل: الصاحب ساحب، حتى لو أردت أن تعرف أخلاق شخصٍ فسأل عن أصحابه. قال الشاعر:
عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينَهُ ………….فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي
وقال آخر: واحـذرْ مُصاحبـةَ اللئيـم فـإنّـهُ………..يُعدي كما يُعدي الصحيـحَ الأجـربُ
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ” [ أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه ] . قال العلماء: يعني لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضياً في دينه ومذهبه.
رابعاً: نشر وسطية الإسلام والفكر الوسطي في الإعلام ووسائل الاتصال
لأن آفة الانحراف عن الوسطية أو الشذوذ عنها يقود إلى الجمود والتطرف والجهل والاستبداد والإفساد والقتل والتخريب والإرهاب والتقليد الأعمى، والتصرفات المرتجلة دون رؤية وتشاور وتقدير هادئ لعواقب الأمور، ولذلك تعاني بعض المجتمعات الإسلامية من تفشي الغلو والتطرف في الدين بين صفوف المراهقين فكرياً، وذلك من خلال تطبيق ممارسات خاطئة بحجة التمسك بالدين، وفي الواقع هم أبعد ما يكونون عن الدين الإسلامي الحنيف دين الوسطية والاعتدال؛ كما أن المبتعدين عن وسطية الإسلام يسلكون في حياتهم مسالك وعرة، منهجهم القهر والإكراه، وسفك الدماء والتخريب ومصادمة المشاعر، ونشر الذعر والخوف، واستباحة الدماء والأعراض والأموال، لاتصافهم بصفتين شاذتين وخطيرتين هما:
1 – الجهل بأحكام الشريعة الإسلامية المقررة في القرآن والسنة، ولاسيما الأحكام العامة التي تمس الآخرين .
2 – التورط بتكفير المخالفين لهم لأدنى تهمة أو شبهة، واستباحة دمائهم، وهذا ظلم عظيم .
عباد الله: إن حلَّ ظاهرة الجمود والتطرف الفكري وعلاجَها لا يقتصر على فئةٍ معينةٍ، وإنما يشمل جميعَ أفراد المجتمع: شباباً وأسرةً ودعاةً ومؤسساتٍ وحكومةً؛ فإذا كان الطبيب يعطى المريض جرعة متكاملة حتى يشفى من سَقمه – إن قصر فى نوع منها لا يتم شفاؤه – فكذلك علاج هذه الظاهرة يكون مع تكاتف المجتمع بجميع فئاته، فكل فئة لها دور ، وباكتمال الأدوار يرتفع البنيان، وإلا كما قيل:
ومتى يبلغ البنيان يوماً تمامَه إذا كنت تبنى وغيرك يهدم
أيها المسلمون: نحن في سفينة واحدة ؛ ولابد أن نتضامن جميعا من أجل نجاة هذه السفينة ؛ كما علينا أن نأخذ على أيدي العابثين بهذه السفينة؛ وإلا غرقت بنا جميعا؛ فعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا ” ( البخاري ) .
إننا إن فعلنا ذلك وأصبحنا متضامنين متعاونين متكافلين يداً واحدة في الضرب بيد من حديد على كل متربص ببلدنا أو وطننا أو ديننا أو مقدساتنا أو أفراد مجتمعنا أو مؤسساتنا ؛ مع نشر تعاليم الإسلام السمحة ؛ فإننا بحق نستطيع القضاء على الجمود والتطرف الفكري بكل صوره وأشكاله؛ ونعيش آمنين مطمئنين متحدين متعاونين متراحمين كما أراد لنا ديننا الحنيف!!!
اللهم اجعل هذا البلد أمناً رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين !!
————————–
د. خالد بدوي بدير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*